زيارة بابا الفاتيكان ترسخ مكانة الجزائر كفضاء لحوار الثقافات والأديان

- السفير الأسبق بالقاهرة مصطفى شريف: زيارة البابا للجزائر ترسّخ الخطاب القائم على الحوار والتقارب
في سياق دبلوماسي وفكري يتقاطع فيه البعد الديني مع الرهانات الجيوسياسية، استضاف “التلفزيون الجزائري” ضمن برنامج “بكل صراحة” المفكر الجزائري مصطفى شريف، أحد أبرز المختصين في حوار الحضارات، وذلك على خلفية الزيارة المرتقبة للبابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر. وقد أتاح هذا اللقاء فرصة لقراءة متعددة المستويات لدلالات الزيارة، سواء في بعدها الرمزي أو في امتداداتها السياسية والثقافية.
في بداية اللقاء، وضع شريف هذه الزيارة ضمن سياق أوسع، يتصل بمكانة الجزائر في العلاقات الدولية، معتبرًا أنها تعكس إدراكًا متزايدًا لدورها كفاعل يسعى إلى تعزيز السلم العالمي. وأوضح أن الجزائر، بحكم تجربتها التاريخية وموقعها الجغرافي، تعمل على ترسيخ خطاب يقوم على الحوار والتقارب، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي.
وفي تحليله، أشار إلى أن الحديث عن الجزائر كفضاء لحوار الثقافات والأديان لم يعد مجرد توصيف نظري، بل أصبح مرتبطًا بممارسات دبلوماسية وثقافية متراكمة. هذا التوجه، بحسبه، يعكس رغبة في تقديم نموذج بديل عن منطق الصراع، قائم على فكرة التعايش وإدارة الاختلاف. وفي هذا السياق، اعتبر أن استقبال شخصية دينية بحجم البابا يحمل دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، ليعكس طبيعة العلاقات التي تسعى الجزائر إلى بنائها، والقائمة على الثقة والتفاهم.
التمسك بالسيادة والانفتاح..
وربط شريف هذا التمسك بالسيادة والانفتاح بالمرجعيات التاريخية للدولة الجزائرية، وعلى رأسها بيان أول نوفمبر 1954، الذي أسّس، وفق طرحه، لمنظومة قيمية توازن بين التمسك بالسيادة والانفتاح على العالم. هذه الخلفية، كما يرى، أسهمت في منح الجزائر قدرًا من المصداقية في تعاملها مع القضايا الدولية، خاصة تلك المرتبطة بالحوار بين الشعوب والأديان.
وفي معرض حديثه عن حوار الأديان، شدد شريف على أنه لا يمكن فصله عن السياق العالمي، حيث تتداخل فيه الأبعاد السياسية والثقافية والدينية. ومن هذا المنطلق، استحضر رمزين بارزين في التاريخ المرتبط بالجزائر، هما القديس أوغستين والأمير عبد القادر، باعتبارهما نموذجين يعكسان إمكانية التلاقي بين المرجعيات المختلفة. فالأول يمثل امتدادًا فكريًا وإنسانيًا عميقًا في الفضاء المتوسطي، فيما يجسد الثاني تجربة عملية في التسامح، خاصة من خلال مواقفه الإنسانية في حماية مسيحيي دمشق خلال أحداث القرن التاسع عشر.
ولم يقتصر حديث شريف على قراءة آنية للزيارة، بل توسع ليشمل تجربته الشخصية في الحوار مع الفاتيكان، مشيرا إلى لقاءاته مع عدد من البابوات، من بينهم البابا يوحنا بولس الثاني والبابا بنديكتوس السادس عشر والبابا فرنسيس. واعتبر أن هذه اللقاءات شكّلت محطات مهمة في مسار الحوار الإسلامي – المسيحي، حيث أُتيحت له فرصة عرض المقاربة الجزائرية القائمة على الاعتدال والانفتاح، والتأكيد على أن التعايش ليس خيارًا ظرفيًا بل ضرورة إنسانية.
إبراز خصوصية التجربة الجزائرية..
وفي هذا الإطار، أوضح أن تجربته مع الفاتيكان أظهرت وجود اهتمام متبادل بتعزيز قنوات التواصل، بعيدًا عن الصور النمطية التي كثيرًا ما تعيق الفهم المشترك. كما أشار إلى أن هذه اللقاءات ساهمت في إبراز خصوصية التجربة الجزائرية، التي تستند إلى توازن بين المرجعية الدينية والبعد المدني للدولة.
وعند عودته إلى زيارة البابا ليون الرابع عشر، اعتبر شريف أنها قد تساهم في إعادة تشكيل بعض التصورات حول الجزائر، خاصة في ظل ما وصفه بمحاولات تقديم صورة أحادية عنها في بعض الخطابات. ولفت إلى أن مثل هذه الزيارات تتيح إبراز جوانب أخرى من الواقع الجزائري، المرتبطة بالتعدد والانفتاح. كما توقف عند فكرة أن حوار الأديان، في السياق الجزائري، لا يُفهم كمسار منفصل عن التحديات العالمية، بل كجزء من مقاربة أشمل تهدف إلى معالجة أسباب التوتر، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية. ومن هذا المنطلق، يرى أن الجزائر تحاول، من خلال مواقفها، الإسهام في بناء أرضيات مشتركة يمكن أن تخفف من حدة الاستقطاب.
البروفيسور مصطفى شريف الذي كان قد التقى بثلاث بابوات للفاتيكان، قدّم قراءة تحليلية لزيارة تحمل أبعادًا متعددة، مع التركيز على كيفية تموضع الجزائر ضمن النقاشات الدولية حول التعايش والحوار. كما أتاح استحضار تجارب سابقة في هذا المجال، سواء على مستوى المرجعيات التاريخية أو من خلال الانخراط المباشر في حوارات مع مؤسسات دينية كبرى، ما يعكس استمرارية هذا التوجه في الخطاب الجزائري المعاصر.
حورية/م




