
أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية إدريس عطية أن زيارة الرئيس الأنغولي جواو لورينسو إلى الجزائر تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية عميقة، وتشكل بداية مرحلة جديدة في العلاقات التاريخية بين البلدين.
وأوضح عطية لدى استضافته ، الثلاثاء، ضمن برنامج “ضيف الصباح ” للقناة الإذاعية الأولى أن الزيارة تكرّس الحوار الاستراتيجي الإفريقي ـ الإفريقي، خاصة في ظل المكانة التي أصبحت تحتلها الجزائر داخل القارة الإفريقية، باعتبارها من أبرز الفاعلين في قضايا السلم والأمن والاستقرار، وكذا بفضل ثقلها الدبلوماسي ودورها في معالجة الملفات الإقليمية.
وأشار المتحدث إلى أن الزيارة تعكس أيضًا اعترافًا بالدور التاريخي الذي لعبته الجزائر في دعم حركات التحرر الإفريقية، وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير أنغولا من الاستعمار البرتغالي، وكانت الجزائر وفرت حينها الدعم السياسي والدبلوماسي، إلى جانب التدريب العسكري والميداني للمناضلين الأنغوليين، إلى غاية استقلال أنغولا سنة 1975.
رسائل إقليمية ضمن مسعى إعادة ترتيب البيت الإفريقي
وأكد عطية أن هذه الزيارة تحمل رسالة إقليمية واضحة، مفادها أن القوى الإفريقية الصاعدة تتجه نحو بناء شراكات وتكتلات إفريقية مستقلة، بعيدًا عن هيمنة القوى الأجنبية، خاصة الغربية والأوروبية، وذلك في إطار إعادة ترتيب البيت الإفريقي بما يتماشى مع التحولات الجيوسياسية الدولية الحالية.
كما أبرز المتحدث أهمية إشادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون بعمق العلاقات الجزائرية ـ الأنغولية، معتبرا أن هذه العلاقات لا تقوم فقط على المصالح الظرفية أو البروتوكولية، بل تستند إلى الثقة والتضامن والمبادئ المشتركة والتقارب في المواقف السياسية، وهو ما يجعلها من أكثر العلاقات صلابة واستمرارية في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها العالم اليوم.
وأضاف عطية أن الذاكرة المشتركة بين البلدين أصبحت رصيدًا استراتيجيًا يمكن استثماره مستقبلًا للانتقال من مرحلة التضامن التاريخي إلى شراكة اقتصادية وتنموية حقيقية تخدم مصالح الطرفين.
وفي السياق ذاته، اعتبر أن البعد الأساسي للزيارة يتمثل في بناء محور استقرار إفريقي يربط شمال القارة بجنوبها، خاصة وأن الجزائر تعد فاعلًا مهمًا في منطقة الساحل وحوض المتوسط، بينما تسعى أنغولا إلى تعزيز حضورها السياسي في جنوب ووسط إفريقيا.
وأوضح أن التنسيق بين البلدين من شأنه دعم استقلالية القرار السياسي والأمني الإفريقي، وتعزيز دور الاتحاد الإفريقي في معالجة القضايا الساخنة داخل القارة.
مجالات التعاون …… آفاق رحبة وتطلعات
وأشار عطية إلى أن من أبرز مجالات التعاون المطروحة بين البلدين قطاعات الطاقة والمناجم والأشغال العمومية، إلى جانب التعليم العالي والتكنولوجيا، مع ضرورة تحويل الرصيد التاريخي المشترك إلى مشاريع اقتصادية واستثمارية فعلية.
كما شدد على أهمية قرار فتح خط جوي مباشر بين الجزائر وأنغولا بداية من شهر جويلية المقبل، معتبرًا أنه سيشكل جسرًا اقتصاديًا جديدًا بين رجال الأعمال والمستثمرين، وسيساهم في تعزيز التبادل الجامعي والسياحي والتجاري، إلى جانب تقليص مدة السفر وتكاليف الشحن الجوي بين الجزائر العاصمة ولواندا.
وفي مجال الطاقة، أوضح عطية أن الجزائر وأنغولا تعدان عضوين فاعلين في أوبك+، حيث تمتلك الجزائر خبرة كبيرة في مجال الغاز الطبيعي، بينما تعتبر أنغولا من كبار منتجي النفط في إفريقيا، ما يجعل التنسيق بينهما عاملًا مهمًا في تعزيز الأمن الطاقوي والدفاع عن مصالح القارة الإفريقية.
الخطاب أمام البرلمان….. الدلالات والأبعاد السياسية
شدد الدكتور إدريس عطية على أن خطاب رئيس انغولا جواو لورينسو أمام البرلمان بغرفتيه تأكيد على مستوى العلاقات الثنائية التي تربط البلدين والشعبين ونضالهما المشترك التحرري ضد الاستعمار الأوروبي ( فرنسا والبرتغال) ،وهو يحمل دلالات سياسية ودبلوماسية قوية ويمثل أرقى مستويات الدبلوماسية البرلمانية.
وقال إن قيام رئيس دولة أجنبية بإلقاء خطاب أمام البرلمان الجزائري ليس إجراءً بروتوكوليًا عاديًا، بل يُعتبر رسالة سياسية ودبلوماسية قوية ، وفي حالة الرئيس جواو لورينسو خلال زيارته الحالية إلى الجزائر، فالأمر يحمل عدة أبعادا استراتيجية تتجاوز المجاملة الدبلوماسية.
وأضاف قائلا ،”من حيث الرمزية السياسية، فإن السماح لرئيس دولة أجنبية بمخاطبة البرلمان بغرفتيه يُمنح عادة للدول التي تريد الجزائر إبراز أهمية علاقتها بها وهذا يعني أن الجزائر تنظر إلى أنغولا كشريك إفريقي مهم، وليس فقط كعلاقة ثنائية عادية.”
هشام/م




