
حاوره / محمد زرق العين
يعد الدكتور قرمال بوعلام بن عبد الله، الأستاذ المحاضر بجامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف، من القامات الأكاديمية التي استطاعت ببراعة الجمع بين علوم الشريعة والقانون والاقتصاد.
في هذا الحوار الشامل، يفتح لنا قلبه ومكتبته ليتحدث عن إصداره الأخير ” حماية حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية ” (طبعة نوفمبر 2025)، كاشفا عن مسيرة مهنية حافلة، وفوارق جوهرية بين المرجعية الإلهية والمواثيق الوضعية.
الديوان: بروفيسور، نبدأ بمساركم العلمي الذي انطلق من ليبيا وصولا إلى نيل الدكتوراه من جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، كيف أثر هذا التنوع في توجهكم البحثي؟
د. بوعلام قرمال: بدأت رحلتي بالحصول على الليسانس والماجستير من دولة ليبيا، وصولا إلى دكتوراه الدولة في الشريعة والقانون من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة. هذا التنوع المعرفي سمح لي بتبني مقاربة شمولية، فأنا لا أرى حقوق الإنسان كمواد قانونية جامدة، بل كمنظومة متكاملة تلامس العقيدة والواقع الاجتماعي، وهو ما عززته تجربتي كأستاذ محاضر تنقل بين كليات الحقوق، العلوم السياسية، والاقتصاد، مؤكدا لي أن حقوق الإنسان “وحدة معرفية” لا تتجزأ.
الديوان: شغلتم مناصب إدارية هامة بجامعة التكوين المتواصل بالشلف لأكثر من عقدين (1990-2011)، كيف ساهمت هذه التجربة في فهمكم للعلاقة بين الإدارة والقانون؟
د. بوعلام قرمال: العمل الإداري يضعك في مواجهة مباشرة مع النصوص القانونية وتحديات تطبيقها. توليت منصب مدير دراسات ثم مدير مركز، وهذه التجربة منحتني رؤية واقعية تتجاوز النظرية؛ فالإدارة في جوهرها ممارسة حية لحفظ الحقوق وتحديد الواجبات داخل المؤسسة.
الديوان: في مؤلفكم “حماية حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية”، ركزتم على تفكيك مفهوم “الحق”، كيف يختلف تعريفكم له عما يتداوله علماء القانون الوضعي؟
د. بوعلام قرمال: الحق لغة هو الثابت الذي لا يمكن إنكاره، وفي الشريعة هو مرتبط بالعدل ومطابقة الواقع. بينما يرى قانونيون أنه مجرد ” استئثار” أو ” سلطة “، نراه نحن معيارا للاستحقاق والوجوب. الحق في الإسلام ليس مجرد ” مطلب ” أو شعار، بل هو ” تكليف ” وصيانة للكرامة التي منحها الله للإنسان منذ لحظة نفخ الروح فيه.
الديوان: يلاحظ القارئ دقة كبيرة في تخريج الأحاديث وعزو الآيات وشرح غريب الألفاظ في كتابكم؛ ما الغاية من هذا الضبط الأكاديمي الصارم؟
د. بوعلام قرمال: الحق يقتضي الدقة. لا يمكن الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام دون العودة إلى الأصول (الكتاب والسنة) وعزوها إلى مصادرها الأصلية لضمان عدم تأويلها بعيدا عن سياقها التشريعي. هدفي هو إرساء مدرسة بحثية تجمع بين الأصالة الفقهية والحداثة القانونية بمنهج تحليلي نقدي مقارن.
الديوان: رتبتم الكليات الخمس كأولوية قصوى، لماذا وضعتم “حفظ النفس” في مقدمة الهرم؟
د. بوعلام قرمال: لأن الحق في الحياة هو ” الأصل “، وبه تتحقق جميع الحقوق الأخرى. الله كرم الإنسان وسخر له الكون، لذا فإن حماية النفس ليست مجرد منع للقتل، بل هي حق في الأمن والغذاء والتعليم. الشريعة لم تكتف بمنع القتل، بل حرمت حتى الإجهاض والانتحار، وجعلت الحياة مقدسة لا يملك أحد سلبها إلا بحق شرعي.
الديوان: وفي باب ” حفظ المال “، كنتم صارمين في ضوابط تحريم الربا والغش، هل الاقتصاد العالمي اليوم ينتهك هذه الحقوق؟
د. بوعلام قرمال: بالتأكيد. النظام العالمي اليوم القائم على الجشع يتصادم مع مبدأ ” ضبط التصرف في الأموال بالمصلحة “. الشريعة نظمت محبة المال بتحريم الربا والحجر على ” السفيه ” لحماية المصلحة العامة، بينما يؤدي النظام الحالي إلى ضياع حقوق الفقراء وتكديس الثروات.
الديوان: أرفقتم في ملاحق الكتاب ” الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “، أين تكمن الفجوة بين هذا النص والواقع المرير؟
د. بوعلام قرمال: الفجوة تكمن في ” انتقائية التطبيق “. القوى الكبرى تتغنى بالحقوق لكنها تفشل عند أول اختبار لمصالحها، كما نرى في المجازر الجماعية في فلسطين والعراق والشيشان. الإعلان العالمي يتحدث عن ” حق الحياة “، لكن الواقع يكشف عن ” انفصام ” حاد وازدواجية معايير حين يتعلق الأمر بحماية الضعفاء.
الديوان: وصفتم المطالبة بالحقوق اليوم بأنها أصبحت ” موضة “، ما الذي تقصدونه؟
د. بوعلام قرمال: أقصد أن البعض يطالب بالحقوق كشعارات فارغة لتحقيق مصالح فردية، متناسين أن الحقوق هي “وسائل لأداء الواجبات” وليست غايات في حد ذاتها. من يطلب حقه ولا يؤدي واجبه كمن يطلب الأجر دون عمل.
الديوان: في ختام هذا الحوار، ما هي الرسالة التي يوجهها البروفيسور قرمال بوعلام للشباب عامة وللطلبة خاصة؟
د. قرمال بوعلام: رسالتي لشبابنا هي: ” لا تكونوا مجرد مستهلكين للأفكار المستوردة “. إن الافتتان بالمرجعيات الغربية دون وعي بجذورنا التشريعية هو نوع من الاستلاب الفكري.
وأقول لطلبتنا الأعزاء: إن دراستكم يجب أن تنطلق من الاعتزاز بهويتكم. لقد أثبت في هذا الكتاب أن كرامة الإنسان في منظومتنا الإسلامية هي ” تكريم إلهي” وليست ” منحة بشرية ” تتغير بتغير المصالح السياسية.
يا شبابنا، تذكروا دائما أن الحقوق وسائل لأداء الواجبات وليست غايات في حد ذاتها، فالمطالبة بالحق دون أداء الواجب هي فوضى. اجعلوا من العلم سلاحكم، ومن أخلاق الشريعة بوصلتكم، ومن خدمة المجتمع غايتكم الأسمى وبناء حضارته.




