تحليل المقاربة الجزائرية في الساحل .. المجلس الإسلامي الأعلى يسلط الضوء على دور الدبلوماسية الدينية

- مستشار رئيس الجمهورية.. الدبلوماسية الدينية رهان استراتيجي لمواجهة التطرف العنيف في الساحل الإفريقي
أكد مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون الدينية والزوايا والمدارس القرآنية، محمد حسوني، أن الجزائر تمتلك رصيدا روحيا وصوفيا عابرا للحدود يؤهلها للقيام بدور محوري في مواجهة ظاهرة التطرف العنيف بالساحل الإفريقي، عبر اعتماد الدبلوماسية الدينية كخيار استراتيجي مكمل للمقاربات الأمنية التقليدية.
وأوضح حسوني، في كلمة له، أن منطقة الساحل الإفريقي تواجه تحديات جسيمة نتيجة تنامي التطرف العنيف، بما يهدد استقرار المجتمعات ووحدة الدول، ويعرقل مسارات التنمية ويضعف أداء المؤسسات، مشددا على أن التجارب أثبتت محدودية الحلول الأمنية والعسكرية وحدها في التصدي لهذه الظاهرة المعقدة.
وفي هذا السياق، أبرز المتحدث أن الدبلوماسية الدينية تشكل مدخلا فعالا لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز الانتماء الروحي والوطني، ونشر ثقافة السلم والتعايش، مستندة في ذلك إلى المرجعية الإسلامية الوسطية التي تمثلها الزوايا والطرق الصوفية الجزائرية.
وأشار حسوني إلى الدور التاريخي للطرق الصوفية الجزائرية وامتداداتها في دول الساحل، باعتبارها حاضنة للقيم الإسلامية المعتدلة ورافعة للتماسك الاجتماعي، ووسيطًا فعّالًا في حل النزاعات المحلية، لافتا إلى أن طرقا مثل الشاذلية والقادرية والتيجانية الكنتية والسنوسية تشكل شبكة روحية واسعة قادرة على الإسهام في بناء ما وصفه بـ“حزام أمني روحي” يقي من التطرف عبر نشر قيم التسامح والحوار.
واعتبر مستشار رئيس الجمهورية أن الدبلوماسية الدينية تمثل “رأس مال اجتماعي جاهز”، بالنظر إلى ما تمتلكه الزوايا من شبكات واسعة تضم المريدين والطلبة والوجهاء، وقدرتها على الوصول إلى مختلف الفئات في الريف والمدينة، فضلاً عن دورها في إعادة تأطير الهوية وتعزيز الانتماء، بما يضعف الخطاب التفكيكي الذي تتبناه الجماعات المتطرفة.
وفي عرضه للرهانات المرتبطة بتفعيل هذا المسار، حدد حسوني أربعة أبعاد أساسية، يتعلق الأول بالرهان الأمني من خلال تحجيم قدرة الجماعات الإرهابية على استقطاب الشباب وتوفير آليات إنذار مبكر عبر القادة الروحيين، فيما يركز الرهان الاجتماعي على تمكين المرأة والشباب من أدوار إصلاحية ودعم الجمعيات الخيرية ذات الطابع الديني.
أما الرهان الثقافي فيرتبط بتنظيم نشاطات دينية وروحية مشتركة تعيد بناء الثقة وتحصن الهوية الجماعية، في حين يتمثل الرهان السياسي في إعادة بناء الجسور بين الدولة والمجتمع وتعزيز الحوكمة المحلية عبر وساطات دينية واجتماعية.
وتوقف حسوني عند مقاربة الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي، معتبرا إياها مرجعا إصلاحيا وتاريخيا يمكن استلهامه اليوم، حيث جسد في القرن الخامس عشر نموذجًا للحكم الرشيد القائم على العدالة والتشاور والتعايش، وأسهم في إرساء الاستقرار وبناء الدول في الساحل الإفريقي.
وفي ختام كلمته، شدد المتحدث على أن تفعيل الدبلوماسية الدينية يتطلب خطة عملية واضحة تشمل تكوين القادة الروحيين في مجالات السلم والوساطة، واعتماد المرشدات الدينيات داخل الأسر والمدارس، وتنظيم قوافل روحية وخدمية مشتركة، وإنشاء مجالس شورى للزوايا كآليات وساطة محلية، إضافة إلى تطوير منصات إعلامية لنشر خطاب إصلاحي معتدل.
وختم حسوني بالتأكيد على أن الدبلوماسية الدينية ليست مجرد طرح نظري، بل خيار واقعي وضرورة استراتيجية لمواجهة التطرف العنيف في الساحل الإفريقي، مجددًا التأكيد على قدرة الجزائر على قيادة مبادرة إصلاحية إنسانية تعزز الحوار والتعايش وتؤسس لسلام دائم في القارة الإفريقية.
ونظم المجلس الإسلامي الأعلى، بالتعاون مع رابطة علماء ودعاة وأئمة دول الساحل، اليوم الأربعاء، بمقر المجلس بالأبيار في العاصمة ندوة علمية رفيعة المستوى تحت عنوان : “الدبلوماسية الدينية في الساحل الإفريقي.. الإمكان والرهان”.
وشهدت الندوة حضوراً رسمياً وازناً يترجم الثقل الذي توليه الجزائر لتعزيز الأمن الفكري والعمق الروحي في منطقتها الإقليمية.
وتضمن البرنامج المسطر كلمات رسمية وجلسة علمية متخصصة ومداخلات لنخبة من المحاضرين والعلماء، منهم الأستاذ الدكتور عبد الرحمن سنوسي، والأستاذ محمد ضيف من الجزائر، والشيخ موسى صار من موريتانيا، والدكتور حمزة أحمداي موسى من تشاد، والشيخ ألفا داهيا كونتا من مالي.
وسلطت هذه المداخلات الضوء على تحليل المقاربة الجزائرية في الساحل، مع الإشادة بحالة الانصهار الحضاري والاجتماعي، بين دول المنطقة.
ق/و




