انطلاق الحملة الانتخابية لتشريعيات 2 جويلية … الجزائر تؤسس لمرحلة جديدة في الممارسة الديمقراطية

تستعد الجزائر لتنظيم الانتخابات التشريعية المقررة يوم 2 جويلية المقبل في ظل منظومة قانونية جديدة تعكس إرادة الدولة في ترسيخ الممارسة الديمقراطية وتعزيز الشفافية والنزاهة في مختلف مراحل العملية الانتخابية. وتأتي هذه الانتخابات في سياق إصلاحات هيكلية وتنظيمية واسعة تستجيب لمتطلبات المرحلة وتطلعات الفاعلين السياسيين، وتأخذ بعين الاعتبار التحولات التي تشهدها البلاد على المستويات السياسية والمؤسساتية.
وقد حمل القانون العضوي المعدل والمتمم للأمر 21- 01 المتعلق بنظام الانتخابات جملة من التعديلات الجوهرية التي تهدف إلى مواكبة رهانات الدولة في بناء مؤسسات قوية قائمة على الشرعية الشعبية، وتجفيف منابع المال الفاسد، وإتاحة فرص أكبر للكفاءات الشابة للمشاركة في صناعة القرار، مع المحافظة على استقرار مؤسسات الدولة.
وتعكس هذه الإصلاحات التشريعية رغبة واضحة في الانتقال من أساليب التسيير التقليدية إلى آليات أكثر مرونة وفعالية، من شأنها تعزيز ثقة المواطن في العملية الانتخابية وفي مؤسسات الدولة، وضمان التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية من خلال صناديق الاقتراع.
ومن أبرز الإصلاحات التي جاء بها القانون الجديد إعادة هيكلة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وتعزيز صلاحياتها الدستورية في مجال التحضير والتنظيم والتسيير والإشراف على مختلف العمليات الانتخابية. كما تم تكريس مبدأ حياد الإدارة، حيث يقتصر دورها على توفير الدعم المادي والبشري واللوجستي اللازم لإنجاح الاستحقاقات الانتخابية.
وفي إطار رفع مستوى الكفاءة والسرعة في اتخاذ القرار، تم تقليص عدد أعضاء مجلس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات من عشرين عضوا إلى عشرة أعضاء فقط، مع استحداث مكتب تنفيذي مصغر يتكون من رئيس وعضوين، فضلا عن اشتراط توفر الخبرة في المجال الانتخابي كمعيار أساسي للعضوية.
كما شهدت العملية الانتخابية تحولا مهما من خلال منح الأحزاب السياسية والمترشحين الأحرار صلاحية ترتيب قوائمهم الانتخابية وفق معايير الكفاءة والتمثيل والانتشار، بعدما كان ترتيب المترشحين يعتمد في السابق على الترتيب الأبجدي، مع الإبقاء على حق الناخب في اختيار مرشحه المفضل داخل القائمة بكل حرية.
ولتشجيع المشاركة السياسية وتوسيع قاعدة الترشح، تم تخفيض عدد التوقيعات المطلوبة لإيداع قوائم الترشح داخل الوطن وخارجه، إضافة إلى منح تسهيلات خاصة للولايات المستحدثة من خلال إعفائها من بعض الشروط المتعلقة بجمع التوقيعات متى استوفت المعايير المحددة قانونا.
وفي مجال تعزيز التمثيل السياسي، تضمنت التعديلات مراجعة نسبة تمثيل المرأة في القوائم الانتخابية لتصل إلى الثلث، مع اعتماد أحكام انتقالية تراعي خصوصية بعض الدوائر الانتخابية. كما تم تشديد معايير النزاهة من خلال إلزام المترشحين بإثبات وضعيتهم الجبائية، بما يعزز الشفافية ويكرس مبدأ المسؤولية.
وتماشيا مع التحول الرقمي الذي تعرفه البلاد، نص القانون الجديد على إدراج الرقم التعريفي الوطني في بطاقات الناخبين بشكل تدريجي، بما يسمح بإنشاء قاعدة بيانات دقيقة وموحدة تمنع التكرار وتدعم مصداقية العملية الانتخابية. كما تم اعتماد آليات للفرز الإلكتروني والرقابة الرقمية بهدف تقليل الأخطاء البشرية وتسريع إعلان النتائج.
وتهدف هذه الإصلاحات إلى تحقيق توازن بين تسهيل شروط المشاركة السياسية للمواطنين والأحزاب من جهة، وفرض ضوابط تضمن الكفاءة والنزاهة والشفافية من جهة أخرى، بما يسهم في تشكيل مؤسسات تشريعية أكثر تمثيلا وفعالية.
ويؤسس هذا الإطار القانوني الجديد لمرحلة متقدمة من الممارسة الديمقراطية في الجزائر، تتراجع فيها تأثيرات المال الفاسد لصالح معايير الكفاءة والبرامج الواقعية، الأمر الذي يضع مختلف الفاعلين السياسيين والناخبين أمام مسؤولية مشتركة لبناء مجالس منتخبة قادرة على مواكبة تحديات التنمية والاستجابة لتطلعات المواطنين.
وتجسد هذه الإصلاحات، التي بادر بها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، وشملت أيضا قانون الأحزاب السياسية والقانون المحدد للدوائر الانتخابية وعدد المقاعد البرلمانية، إرادة سياسية قوية لإرساء أسس قانونية وتنظيمية متينة لمسار انتخابي قائم على الشفافية والنزاهة والحياد واحترام إرادة الناخب.
كما تعكس حرص الدولة على تعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ ثقافة المشاركة السياسية من خلال إصلاحات متدرجة ومتوازنة تجمع بين توسيع فضاءات المشاركة وتطوير آليات الرقابة والنزاهة، بما يعزز المسار الديمقراطي ويكرس دولة المؤسسات والقانون.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية خلال لقائه الإعلامي الأخير مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية أن جميع الظروف مهيأة لضمان نزاهة الانتخابات التشريعية المقبلة، مشددا على أن الدولة ماضية في ضبط العملية الانتخابية وتأمين كافة الضمانات القانونية والتنظيمية الكفيلة بحماية إرادة الناخبين وتجسيد الخيار الديمقراطي.
ق/و




